كريم نجيب الأغر
710
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - * ثانيا : أننا نلحظ أن ما وقع من العامل النفسي للراوي في حديث : « تسعة وتسعين عرقا » قد وقع أيضا هنا ، فإن الراوي ، أو الناسخ - الذي تصحّف عليه لفظ « أعصاب » إلى « أعضاء » - كان كثيرا ما يطرق سمعه ورود كلمة « أعضاء » في الحديث ، الذي هو مجاله ، بخلاف كلمة « أعصاب » . فقد وردت في حديث : « عن ابن عبّاس أمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أن يسجد على سبعة أعضاء ، ولا يكفّ شعرا ، ولا ثوبا : الجبهة ، واليدين والرّكبتين والرّجلين » [ أخرجه البخاري ح 120 ] ، وحديث : ( عن أبي سعيد الخدري رفعه قال : « إذا أصبح ابن آدم فإنّ الأعضاء كلّها تكفّر اللّسان فتقول : اتّق اللّه فينا ، فإنّما نحن بك ، فإن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا » ) [ أخرجه الترمذي ح 121 ] ، إلى غير ذلك . فالورود الكثير للكلمة شجّع الراوي أنها المقصودة ، ومن هنا وقع التصحيف عنده . 4 - أن مختلف الأحاديث جاءت بلفظ « عرق » دون لفظ « عضو » ، مما يشير إلى أن العروق وحدها هي المقصودة ، وليس سائر الأعضاء ، مما يستوجب حمل معنى الكلمة المعطوفة على العروق ، أو المقرونة بها ، على الأعصاب دون غيرها من الأعضاء ، لأنها تفيد نفس المعنى . 5 - أنه لا يخفى أن عطف العروق - وهي دقيقة جدا - على الأعضاء - وهي المرئية في البدن لكل أحد - فيه نبوّ في الأسلوب العربي ، لأن العطف ، وإن اقتضى التغاير ، إلا أنه ينبغي فيه التناظر ، ونظير العروق هو الأعصاب . وهذا ما يسمى « بمراعاة النظير » ( وقد سبق تعريفه في مبحث « مرحلة القابلية للحياة / العدة » ) ، فكيف إذا اتفق مع ما دل عليه العلم ، وما ذكرناه آنفا من الإمكانية الكبيرة لوقوع التصحيف فيه ؟ . 6 - والجدير بالذكر أن حديث الطبراني وردت فيه اللفظتان مفردتين ( عرق - عصب ) ، على حين أن حديث الديلمي وردتا فيه مجموعتين ( أعضاء - عروق ) ، مما يدل أن المراد هو الأعصاب ، لا الأعضاء ؛ ورودها مع « عروق » مفردتين هناك ، وورودهما عند الديلمي مجموعتين ، فما أفرد هناك جمع هنا ، ولا يتعين هذا إلا بكون الراوي صحّف الأعصاب إلى الأعضاء . فاستعنا بدلالة إفرادهما عند الطبراني على معرفة تصحيف الراوي لإحداهما ( الأعصاب ) عند الديلمي ، فتأمل فإنه ملحظ دقيق . 7 - أن الحديث رقم 22 : « إن اللّه تعالى إذا أراد خلق النّسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب منها ، فإذا كان يوم السابع جمعه اللّه تعالى ثم أحضر له كل عرق بينه وبين آدم ، ثم قرأ : فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ [ الانفطار : 8 ] » [ أخرجه الطبراني ح 21 ] يعتبر بيانا للحديث : « النطفة التي يخلق منها الولد ترعد لها الأعضاء والعروق كلها إذا خرجت وقعت في الرحم » [ أخرجه الديلمي ح 23 ] ، وقد ورد فيه لفظ « عصب » - على ما تأكدنا منه - ، وهو أقوى في سنده من الحديث الذي أخرجه الديلمي رقم 23 ، مما يعني أن الأعضاء هي المرادة ، والله تعالى أعلم . - - وقبل أن نشرح لما ذا حديث الطبراني هو بمثابة بيان لحديث الديلمي ننوه إلى ما يلي : إن الحديث ورد عند البيهقي في « الأسماء والصفات » بلفظ « عضو » ، غير أن الطبراني متقدم على البيهقي ، فالطبراني متوفى سنة 360 ه - ، بينما البيهقي متوفى سنة 458 ، وبالتالي فهو أقرب إلى النبع - أي إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم - مما يعزّز الاتجاه أن البيهقي أو أحد مشايخه - رحمهم اللّه - ، أو أحد ناسخي مخطوطات البيهقي وقع منهم التصحيف ، وأن هذا التصحيف من النوع البصري . -